Make your own free website on Tripod.com
 

محمد مظلوم يجهد

ويشد إلى الأبعد

 جورج بولس غنيمة : جريدة "النهار"

بين مرسل الكلام، بكثافة أفقية، ومقتضبه، بإيجاز دائري، يجهد الشاعر العراقي محمد مظلوم ليؤثث لحضوره الشعري بباكورة هي نتاجه الأول بعنوان يحمل حالات الاشتباه، الارتياب، والاتهام: فالمشتبه فيه والمرتاب ثم المرتاب منه والمتهم، في صيغ الرمز والمجاز، وهو الشاعر نفسه صانع الكلام ومخرجه وله مادة للقول بتجربته ومعاناته كما بتفاعلاته وانفعالاته: هو مشتبه فيه، من الوجود والعدم، بفعل انوجاده حقيقة وحقوقاً إنسانية. هو المرتاب والمرتاب منه، من الحياة والأحياء، لأنه يحيا بمشيئته ورؤيته ونمطيته. وهو المتهم، من الأزمنة والأمكنة، لأن له فيها تفسيراً يقترب من تحليقة يرومها الطير ومن سفر لا متناه دونه موت الغمام:

"أحلامي تتكلم

فتسترد سوادها

على سريري الذي لم أنم فيه

أعتقد الحياة، وأسكت".

لكن اعتقاد الحياة، عند محمد مظلوم، لا يدفعه إلى كم صوته أو إلى صمت تلقائي لأن غزارة القول المشحون بالاستفاضة والاستطراد تشهد على جموح في كلام الشاعر. وكأني بالشاعر يود أن يبرئ ساحته بالشعر دون سواه من وسائط القول، ويريد أن يغسل روحه من كل إثم واقتراف نسبا إليه، فهل غير الإملاء والتراسل والتلاوة، بشاعر وشاعرية، كرسي لاعتراف ومذبح لتأمل ورتبة لنيل الصفح والمغفرة ولون الثلج؟.

"خارج حياتي، أحلم بالبريد الذي يروض الوحشة والمنحدرات التي تقدم الاعتذار للغيوم، خارج حياتي أتكلم عن مزيد من المطر المصاب بالتمدن، عن مزيد من الربيع الذي قوّس الفضة وخلفه سلاسل الرماد تقتاد أحد المحاربين إلى الاعتراف".

ويظل الالتباس، حول اقترافات وارتكابات من الشاعر، مناخاً قائماً وقائماً بغموض ترميزي مفتعل وبتشرذم نصي متعمد من مستهل فصل "في ارتكاب الندم" ـ أول فصول  المجموعة حتى مطلع ثاني فصولها "في ارتكاب الحياة" حيثما الراهن المبثوث، مشاهد وأخباراً، يتاخم المنصرم المسرود مقاطع مقاطع والمرذول لما انطوى عليه من أهوال وعذابات ومكابدات:

"الموت خبز أكله لأكتب الحياة، الحياة أفضحها في الانفاق أو البنايات المعزولة، الموت حافلة أصعدها لأصادف النسيان يحاور النساء في ندم اسمه الحياة..".

لكن رويداً رويداً ينكفئ غبار اللبس، عن متن المعاناة، لتتمظهر خلف لغة الفصل الثاني سببية الشبهات والاتهامات والممارسات المنكرة على الشاعر. سببية تستند، في شروط كينونتها الفلسفية، إلى موقف فكري عبثي وعدمي رأسه أن ارتكاب العيش تحديداً ليس غير موت يومي يتأبطنا لنمسي شهوداً على ذات إنسانية تتموقع فينا بصيغة الغائب عن حياته الذي يتحين فرصة العودة إليها ليستعيد حضوره فيها:

"هذه ليست حياة

وكان أن مزق صورة العائد من أعياد لم تسفر

عن حياته في الخيمة الصفراء

نفكك أحلامنا بحثاً عن نوم تام

عن نهار نعيشه تماماً

عن هواء مختلف

يحق لنا أن ندون عليه أسماءنا

نحن الهاربين خارج الربيع

حضورنا محايد وننتظر العهد المغلوب".

ولعل الفصل الثالث في باكورة محمد مظلوم ـ فصل "تأجيل الشمس" ـ مثابة ستارة ترفع ولثام يماط عن مشهد العهد المغلوب المنتظر، إذ أن الشاعر هنا يحث لغته على التبشير دون الخطاب وعلى التلميح دون التصريح كما على التلغيز دون الإخبار والإبلاغ. فالشمس التي ستولد في صانع الكلام هي العهد الغالب لربيع كاسد في ماض عابر وفي حاضر منسي بظلاله وأفيائه وأشيائه:

"أذكر كنت بصحراء نومي، أحاول إغواء سيدة النرجس الساحلي وأعني بها شمس مكة، لما تكلم من جانب الطور رأس النبية، أذكر أني تركت التي هي في ساحلي، وسعيت لها، وأعني النبية، حتى إذا أوشكت محنتي أن تفرج، نوديت من حيث كنت".

إذن: ما يصبو إليه محمد مظلوم، في الثالث والآخر من فصول كتابه الشعري الأول، أضوأ من فوانيس الحكائين كما في باب "في انتظار الغائب"، وأشجى من وتريات بحرية قالها في باب "العودة إلى الحاضر". وهكذا نحن، في الباب الأخير من باكورته، أمام شاعر يحفز شاعريته على تأويل ما لم يستطع عليه تصريحاً، على استنباط الحرية من قواميس الورد، على استدعاء الشمس من شرانق البصيص، وعلى تشييد الذات على خرائب الذات.

وإذا الشاعر شهد، في الفصلين: الأول والثاني، بعين المتفرج القاصر على خراب روحي وجسدي أنزل به، فهو هنا عيل صبراً من عجزه وقصوره. لذا ندركه يصحو من غيبوبة الغياب عن ذاته وعن الآخر ويحاول أن يلغي الحياد والتباعد لينحاز إلى آماله وأشواقه:

"المجد لي حين أجتاز جسداً وتصغي المدينة

المجد لي حين أهجو الربيع على سور وردك

المجد لي حين أحتاج غيري لموتي وموتك

المجد لي حين أخرج من بيتنا

وأصدق أني الذي نام في ساعة متأخرة

وتحسس ترتيب أيامه في السرير".

ويسترسل محمد مظلوم في الإبانة، عن قهر فردي وجماعي وتوقعات خلاصية، بكلام يتنقل فيه بين ضمير الغيبة وضمير الخطاب رامياً إلى تنوع في اللهجة ضمن وحدة القول في النص، وهادفاً إلى لعبة التفات وحركة التفاف على المنقضي والقائم والمحدس. وليكون له ذلك، يحشد الشاعر شتى وسائط التقرير والترميز والتمهشد ويستنفذ كل أبعادها ودلالاتها بالمتداول والبرعاجي والاصطلاحي من الألفاظ والمفردات فتستوقفنا صيغ تعبيرية وضعية قاربت الفلسفي إلى النفساني فالسياسي، من مثل: "النفي واللا ثبات"، "قوة الموت"، "الاستجابة للمعطيات"، "الفعاليات الإنسانية". إلى ذلك، يصر مظلوم على تقديم نفسه من أهل الجدل وعلم المنطق عندما يركن إلى التعليل، والتفسير، التفصيل، والتبرير. فيبسط علاقات فيلولوجية بين اللفظة واللفظة كما بين المفردة والمفردة. ويشذ إلى أبعد وقت يتشاعر بلهجة فقيه وقواعدي وألسني: "أجل انها ـ والضمير غير عائد إلى الأجساد". أما مجمل الصورة الجمالية، التي احتضنت تجربة محمد مظلوم، فحفلت بموزاييك من التأثيرات الشعرية المنعكسة على شكل مختزنات في اللا وعي والمتمثلة بحشد من أنساق وأنماط تركيبية باتت مستهلكة: ومثالاً، لا حصراً، "الشمس العرجاء" و"وقت بين الرماد والورد" لأدونيس، وغير صيغة مقتبسة من الرمادي لمحمود درويش، إلى المشهدية المأساوية الساخرة من "الفرح ليس مهنتي" لمحمد الماغوط.

ان محمد مظلوم، في نتاجه الشعري البكر، يجمع في نصه المحظور فنياً على الشاعر إلى المسموح للراوي والقاص، لذا كتابه طواف بالسيرة والخبر مثلما بالصورة واللقطة. ودونه إلى لحظة الدهشة والإعجاز نص يعجز أن يوصل ولا يصل، فكيف الشعر إذن؟.  

عودة الى آراء و دراسات في تجربة الشاعر