Make your own free website on Tripod.com
 

التفكير الشعري

رؤى وتجليات الشاعر في "ارتكابات" محمد مظلوم

لندن ـ من سلام شريف ـ جريدة "الشرق الأوسط"

23/5/1993

العدد 5290

 

تأتي المجموعة الشعرية الأولى للشاعر العراقي محمد مظلوم "غير منصوص عليه ـ ارتكابات"، بعد عقد كامل من بداية حضوره في المشهد الشعري العراقي، متضمنة النصوص التي كتبها بين عامي 84 و89 ونشر عدد منها في الدوريات الثقافية العراقية والعربية، وهو بالإضافة إلى عدم ضمه للنصوص التي كتبها مطلع الثمانينات فقد استبعد عدداً آخر منها، يقع في الفترة المذكورة مثل قصيدة "فتح السامري" (المنشورة في مجلة الطليعة الأدبية، يونيو (حزيران 1984) ويبدو أن محاولة توحيد مناخ النصوص للإفساح بوضوح عن خيارات الشاعر الفنية، وتعيين ملامح فضائه ولمسته الخاصة، كانت وراء اختيار نصوص المجموعة.

تضمنت المجموعة اثنتي عشرة قصيدة، جاءت تحت ثلاثة عناوين رئيسية هي: (بانتظار الغائب "في ارتكاب الندم") خمس قصائد، (العودة إلى الحاضر "في ارتكاب الحياة") أربع قصائد، (تأجيل الشمس "في ارتكاب الأمكنة") ثلاث قصائد، وكتبت في تواريخ متداخلة.

وإذا تقاربت ملامح وعناصر تجربة الشاعر في جميع النصوص، فإنها لم تكن لتمثل كامل تجربته، التي تميزت باندفاع مستمر للتجريب والمغايرة، وانقلابات عديدة على شكل ومضمون وأدوات الكتابة، متحولاً من القصيدة العمودية إلى قصيدة التفعيلة وصولاً إلى قصيدة النثر التي تنتمي إليها كافة قصائد المجموعة.

وكمدخل إلى المجموعة يمكن للنص التالي أن يفصح عن الكثير من ملامحها:

"في الخميس القادم،

في حفلة أقامها المدعو إلى موته

استطاع الكلام أن يقشر التفاحة وهي في الصحن

الضيف تعرف على الكرسي،

لأن المرايا أقل من الجدران،

وهنا أستأذن المدعو كرسيه لإعداد الوجوه.

أحدهم، تلكأ في استذكار اسمه فأشار إلى التفاحة

الآخر استلذ بمقعد سهل ويثرثر

وأنا، طمعاً في النطق،

انحنيت لكي أحرر كلامي من يد أعدائي

وإذا بي أبرر قتلي".

في هذا النص، الذي تلتقي فيه الملامح العامة للنصوص، يطالعنا الحضور الشديد للمخيلة وميل الشاعر للتصورات الذهنية، فيما يمكن تسميته بالتفكير الشعري، بالإضافة إلى الحضور الواضح للنبرة الصوفية، حيث يستدرج الشاعر رؤاه بنبرة العارف الواثق من تجلياته، ضمن مناخ وجداني دافئ يمزجها بما يلتقطه من اليومي والشائع وتفاصيل الحياة الحميمة، في محاولة لتحرير الحواس من التلقي الأليف للمشهد اليومي، ومن خلال رؤية ذاتية فاعلة تروض هوية المشهد في وجدانها العارم:

"فضاؤك يحكي (..)

كرسي بطيء يرتل ظلاماً بريئاً

هكذا كان ما يشدني إلى مقعد فوق المياه

أقبل حنك غيمة فتمطر دهشتي (..)

وأنا بعد ذلك مجبر أن آمر السياف

أن يقتص من تاريخ اليد تحت شمس سوداء

وأبشر بتاريخ اللسان".

يتميز شعر مظلوم بنبرة منخفضة واسترسال سردي يعتمد الجملة الطويلة، مع ميل كبير إلى طرائق القص والبوح قادته عميقاً في أفقه الوجودي، متجاوزاً الآخر في هروب دائم من سطحيته إلى عزلة الذات المترفعة، التي ترزح تحت تساؤلاتها الشاهقة ورهبتها الكبيرة التي تصل حد الخوف من الانكسار، لكنها تواصل تحديها، واثقة من خيبتها ويأسها من الآخر، وذلك أكسيرها في مواصلة ارتفاعها إلى خصوصيتها، وهو ما بث في ثنايا النص نبرة دفينة من الحزن الوجودي والشعور بفداحة مواجهة الإنسان لمصيره:

"أنا الزمن المكسور على نافذة الجنون

لا وقت لي

أنا الراسخ في تفسير روح البحر،

لا حكمة أتقمصها".

كما ينبغي تأشير سعة قاموس محمد مظلوم اللغوي، وتنوع المناخات والعوالم التي يتأملها بشبق وجداني يتراوح بين التنافر والألفة مع العالم الخارجي، الذي يندغم في أحيان كثيرة كخارج شديد الذاتية في احتدام تساؤل وقلق الشاعر:

"ولأكون وهماً

لابد من فرس أكسرها، وأكسر عند صهيلها

تركات الحضارة، وتطلعات الجموع

لسكرة الليمون

أنبح في شق الجبل، وأركض في فوهة التاريخ

بحثاً عن تقشر العبيد، وتعطل الأسياد".

وتحضر فكرة الكتابة في أماكن عديدة من المجموعة، كموضوعة شعرية، يتأمل الشاعر خلالها طقس الكتابة وعلاقته وموقفه منها:

"ينبغي التلغيز عند العبور أمام مشهد واضح.

فالمتفرجون مرايا لا يسكنها الهواء

أقول ولا أشير أو أشير بلا تعيين

ولن يتردد المعنى".

وإذا كان مظلوم يرى أن الشعر الحديث يجب أن يلغي ديمومة الماضي أو بالأحرى يستبدله بالحضور أي حضور الماضي في الآن وبحضوره ينقطع الماضي عن ماضيته، فإنه تمكن من استحضار المنجز الشعري في طبقة عميقة من الآن لتزيد من كثافة صوته الخاص المكتنز بذلك الإرث الواسع من الميثولوجيا والتراث بكل أنواعه:

"مساء المطر، أيتها النار التي ترتدي قبعة

الآن مطر وأم تقتاد ولدها في احتفال الرجولة

إلى ساحة الإصغاء، الآن مطر

ولكي يتأكد الولد من براءة الأشياء

صارت الدهشة ثوراً

الآن مطر وأحب الثور.

ورغم تميز المجموعة بدأب واضح على خلق علاقات جديدة بين المفردات، ومحاولات مثمرة لتركيب صياغات أخرى، فإنه يمكن ملاحظة أن اندفاع الشاعر في استرساله السردي (في نصوص المجموعة الأحدث تاريخاً) واستخدامه لطرائق القص، قد بدأ يؤسس آليات لعمل النص، وظهرت في قصائده لأول مرة استطرادات لإكمال مناخ المونولوج وتصاعده الدرامي، وميل لتأكيد إيقاع تقني واحد والإلحاح في تكراره:

"بكيت حين انتبهت إلى وجود نافذة ثالثة في البيت، تطل على مقبرة مسيجة بخيل ميتة، بكيت حين انتبهت إلى وجود كرسي بثلاثة أرجل فوق السطح، فتذكرت أنني لم أغف على كرسي منذ سنوات.. مفقودة أعمارنا في الذهاب إلى معسكرات العزلة ومزارع الانتظار".

رغم ذلك فتجربة محمد مظلوم ومثابرته تشير إلى قدرته الكبيرة على تنقية صوته باستمرار للإتيان بما هو جديد، شأن هذه المجموعة التي يمكن اعتبارها خطوة راسخة لتأكيد حضور صوت شعري سيكون له شأن كبير في خارطة الشعر العربي.

هامش:

"غير منصوص عليه ـ ارتكابات" للشاعر محمد مظلوم ـ صادر عن دار الحضارة الجديدة ـ بيروت 1992.

عودة الى آراء و دراسات في تجربة الشاعر