Make your own free website on Tripod.com
 

محمد مظلوم في كتابه الشعري الأول

العالم من زوايا مغايرة

دمشق ـ من راسم المدهون جريدة "الحياة"

15/5/1995

 

أفق الكتاب الشعري الأول يستدرج الرغبة في القراءة، ويحثها على المواصلة بسبب من احتدام القلق الذي نتوقعه في هذه الحالة، وبسبب من رغبة لا تحد، في استشراف عالم جديد، لم تتجول عيوننا في دروبه وأزقته من قبل، عالم لا يزال يخبئ بين دفتيه رنين الكلام الذي لم نسمعه بعد. هكذا وجدت نفسي، أمام الكتاب الشعري الأول للعراقي محمد مظلوم "غير منصوص عليه" ، متضمناً مجموعة من قصائد كتبت في السنوات القليلة الماضية، في العراق، قبل مغادرة صاحبها إلى فضاء أكثر اتساعاً، وإن يكن تجربة جديدة، وحياة جديدة.

محمد مظلوم، يختار منذ البدء أن يبتعد تماماً عن كل ما يمكن أن يذكر بالآخرين: لغتهم الشعرية، طريقتهم في الكتابة، مفرداتهم الخاصة، بل وحتى نظرتهم إلى الحياة، التي يمكن أن تحدد شكل قصائدهم ومضمونها. إنه صوت جديد يستفيد من منجز القصيدة العراقية الحديثة لدى أبرز شعرائها في الشكلين الموزون والنثري، والذي تحقق على أيدي شعراء معروفين مثل حسب الشيخ جعفر، يوسف الصايغ، فوزي كريم، ثم سركون بولس، من دون أن يقع أسيراً لأحد منهم. قصيدته اتكاء على حدقة تتأمل وتراقب معنى الأشياء، وما تخفيه خلف ظواهرها المرئية من مخبوء، يتوجس الشاعر منه.

في كتابه الشعري "غير منصوص عليه" (دار الحضارة الجديدة ـ بيروت ـ 1994) نطالع كتابة شعرية تستعير من فداحة الواقع، انحيازها إلى لغة تقارب الحلم مرة والكابوس أكثر المرات. إنها لغة مراوغة، تستعيض عن القول المباشر، والصورة البسيطة الواضحة، بالكلام المجزوء، والمقتطع من سياقاته المنطقية وبصورة رجراجة الملامح لا نتبين من تفاصيلها، إلا ما يعين على البحث، وإعمال المخيلة، من أجل تكوين أجزائها في ما يشبه الاسترجاع.

تشبه لغة محمد مظلوم الشعرية الحياة اليومية، في الشواهد التي ينثرها أمامنا من الشارع، الحي، ومن المدينة، ومع ذلك فإن هذه الشواهد لا تلبث أن تتوارى في الظل، مخلية مكانها ودورها، لنسيج من العلاقات المركبة، التي يعيد الشاعر تأسيسها على وقع مغاير، في لعبة تستبدل الواقع الحقيقي، بآخر لا يشبهه، وإن كان يدل عليه.. واقع يظل بعد كل ذلك التغيير أكثر صدقاً وحقيقة، بل وواقعية من الواقع ذاته، واقع هو في المآل الأخير، صورة الحياة في حقيقتها المغلفة بالألوان الزاهية، والطمأنينة الخادعة. تقول القصيدة شيئاً من يومنا، ثم تكتبه في ذهابه السري إلى حقيقته الأخرى التي لا نراها بالعين المحايدة.

من المفيد في قراءة تجربة محمد مظلوم، الانتباه إلى المناخ الخاص الذي نعيش فيه قصائده، فالنظرة المفعمة بالسواد، والتي يأخذ سوادها كل مرة شكلاً جديداً وتعبيراً مغايراً، هو بمعنى ما، استغراق الشاعر في استقراء باطني، يدفعه إلى الالتفات الدائم نحو الداخل، حتى وهو يتحدث عن شجون يومه. القصيدة في هذه الحالة شبه مونولوغ يتصاعد وينحدر وفق قياس هادئ، وفي إيقاع بطيء، وهو بقيامه وإيقاعه، يفرض مفردات يقصد الشاعر أن تلوّن صوره بألوانها، وبما لا يبتعد به وبقصيدته عن انقطاعات مقصودة عن سياقاتها المنطقية ذلك أن قصيدة محمد مظلوم، لا تقول جملة مفيدة بالمعنى التقليدي المعروف والمتداول، إذ هي تستخرج لا منطقية الواقع لمحاكاة شعرية تشبهها، فمن الانقطاعات، ومن التناقضات، ومن اللا مفهوم ذاته، يعيد الشاعر تركيب الجملة الشعرية، بمفرداتها، بصورها، وبالمعنى المنشود، الذي تكتمل في هذه الحالة مربعاته، فيما يشبه لعبة الكلمات المتقاطعة والتي تستدعي بالضرورة قارئاً يجمع ذهنه ويقبل على المشاركة في لعبة الشاعر.

يمكن ملاحظة شيء من ذلك في هذا النص المتميز، والذي نقتطعه من قصيدة بعنوان "تأجيل الشمس" وعنوانه الفرعي "العيون أقل من الشرفات":

"تيقظ أبجد ـ وهو ابن ما ليس بعد ـ ولكنه كائن لغوي له ذكريات، ويلبس ربطة عنق ويعشق أيضاً ـ تيقظ والعام كان على وشك أن يتيبس إذ لا مواسم، فارتطمت روحه بغبار العبيد، وصادف أن مرايا الوشاية عزلاء، أقفل باب التهجي، وردد وهو يغادر تورية الشخص: القصد سور الخطيئة/ التوبة امرأة رجمت تحت شمس مؤجلة والنهار يعانق أرملة الذكريات".

هذه الحالة الشعرية المؤسسة على برق المعاني الخاطف، تفترض بالضرورة، قوة وتميزاً في بنية القصيدة التي لا تسمح بالضعف أو التراخي، ولهذا السبب ـ ربما ـ نجد أنفسنا عند قراءة بعض قصائد المجموعة، إزاء تعثر تعجز معه القصيدة عن تحقيق غاية الشعر. يحدث ذلك حين تطالعنا قصائد معينة تقدم انقطاعاتها خارج الصور الشعرية القوية والمؤثرة، وخارج القدرة على البناء الشعري المتماسك.

عودة الى آراء و دراسات في تجربة الشاعر