Make your own free website on Tripod.com

احتجنا إلى معجزة غير الشعر لنخرج سالمين

  "الرأي العام"

19/2/1998

حاوره: جمعة الحلفي ـ دمشق

محمد مظلوم واحد من أبرز شعراء جيل الثمانينات في العراق، غادر وطنه كما المئات من المثقفين العراقيين، هرباً من البطش والقمع وكم الأفواه، لكنه لا يزال يحمل جرحه بين الضلوع وفي كراسات الشعر التي هربها معه. أصدر محمد مظلوم مجموعات شعرية عدة خلال السنوات الست الماضية، هنا حوار معه:

ـ تنتمي إلى جيل الثمانينات ماذا يعني لك ذلك: "الأجيال" "السنوات" "الانتماء"؟ أية صلة لهذا بالشعر؟.

* قلت في أكثر من مناسبة ان الانتماء إلى أي جيل شعري ليس امتيازاً بحد ذاته، مثلما ليس بالامتياز ان تكون خارج الجيل الشعري: الشعرية هي الأساس في التمايز، لذا فأنا لا أرى لمصطلح الجيل الذي ارتبط بالعقود، أهمية في تجربة الشاعر مع القصيدة، لكن أهميته قد تظهر في تاريخ الشعر، بالتوثيق والرصد وتقييم تجربة مجموعة محددة من الشعراء تدعي أنها تحاول تمثل هماً مشتركاً.

الأجيال الشعرية في العراق منذ الستينات إلى الآن، تحاول الانتماء لجذوتها الأولى التي انطلقت منها، وفي الوقت ذاته تمتد في المستقبل، عبر صيرورة وتحولات في التجربة والتفكير وفي النص كذلك.

بهذا المعنى أنا مع ظاهرة الأجيال، وما عدا ذلك فأنا ضد الكانتونات والتسويرات والدوغما بكل أشكالها.

ـ وماذا عن أجيال المنفى؟.

* في المنفى، الأمور مختلفة، فالمنفى يخلق جيله أيضاً لكن لا بالمعنى العشري لذلك فإن قضية الأجيال وصراعاتها وقف على الداخل كما أرى وأية محاولة لسحب ظلال هذه القضية إلى المنفى هي بمثابة دعابات أموات لا غير! ولهذا أيضاً أسعى في مشروعي عن هذا الجيل الثمانينات ومنذ سنوات إلى رصد تجارب الشعراء التي نشأت في ظل الحرب، حيث المدافع صوت آخر يكاد يطغى على أصواتهم، ومن هنا أهمية تمييز هذه الأصوات المختلطة والمشوشة، بفعل أسباب شتى. إنها تجربة مثيرة كما أعتقد، لا يمتلك أحد الإحساس الحقيقي بها سوى من تمثلها في آنيتها وأسهمت في ترصين تجربته وتعدت به إلى المستقبل.

ـ سنوات الشعر قضيتها وسط لهيب العراق: الحرب، القمع، كم الأفواه، والفاقة أيضاً. كيف كدت تكتب أو تكتبون وسط هذا اللهيب، وكيف كنتم تنشرون كتاباتكم أو تتبادلونها؟.

* سؤالك هذا امتداد، بشكل ما، لسابقه. فها أنت تسأل عن جانب في تجربتي هناك، وفي الوقت ذاته عن تجربة الجماعة، وبهذا المعنى فإنني سأجد نفسي أتحدث عن تجربة مجموعة تعنيها أنت وأعرفها أنا تماماً.

عندما اندلعت الحرب كان أغلبنا طلاباً في الجامعة، وبهذا فلم نلتحق بالنصف الأول من عمرها، لكنها واعتباراً من نصف عمرها الثاني كانت تستدرجنا، بعد أن أصبحت عانساً وأكثر رغبة فينا تستدرجنا وبالتدريج العشوائي إلى اوارها. بعضها كان محظوظاً لأنه ظل في أطرافها وعلى حواشيها وذيولها والبعض الآخر احتاج إلى معجزة، غير الشعر ليخرج منها سالماً جسدياً.

في الجانب الآخر كانت كتاباتنا لا ترضي شعراء السلطة، هؤلاء الذين سبق لهم أن أقصوا زملاءهم، في الستينات خصوصاً. إذ كانوا يتهمون نصوصنا بتمجيد العدم بدل تمجيد الحياة وبالانتماء إلى الظلام بدل الضوء وفي اتهامهم هذا ما قد يبدو موضوعياً لكن الموضوعية ستسقط حالما تسألهم أية حياة تقصدون وأي عدم ترفضون؟ أين هي فتحة الظلام وأين هو أفق الضوء؟ مع هذا، كان الكثير منا لا يستطيع نشر قصائده في الصحف والمجلات العراقية، وحتى إن نشرت في مجلات عربية، متداولة في السوق العراقية، فإن الرقابة ستصل إليها ولذلك فغالباً ما تجد الأوراق الناقصة هي مادة منشورة لأحد الأدباء الشباب.

بعضنا الآخر كان ميالاً إلى تلغيز نصه وحمايته بمزيد من الرموز وإغنائه بالتأويل، ومع هذا لم يتح لهذا الصنف أن يأخذ فرصاً كافية من النشر.

ولكي أعطي الجميع حقه أقول أن قسماً ثالثاً أخذ فرصته كاملة، بل وفرصة غيره أيضاً في النشر والتكريس والتصريحات والوظائف وسواها حتى أن بعضاً من هؤلاء طبع أربع مجموعات في أربع سنوات.

كتابة في المنفى

ـ منذ وصلت إلى المنفى في بداية التسعينات، أصدرت أكثر من مجموعة شعرية، هل هذه حصيلة الداخل أم الخارج؟ ما الذي تغير في مناخ الكتابة شكلاً، مضموناً، أسلوباً.. بين الوطن والمنفى؟.

* قلت في جوابي السابق: إن مجموعة منا كانت زاهدة في النشر، أو مقلّة على وجه الدقة، وكنت أحد هؤلاء. وإذا ما استثنينا بعض كتاباتي العمودية أواخر السبعينات فإنك تستطيع القول إن سنوات الثمانينات كلها هي الفترة الأغزر لدي من حيث النتاج والأقل من حيث النشر.

وعندما غادرت العراق في خريف 1991 كانت معي مخطوطتان معدتان للطبع، لذلك أسرعت في نشر مجموعتي الأولى "غير منصوص عليه ـ ارتكابات" العام 1992. وانشغلت بإعادة ترتيب المجموعة الثانية إذ أضفت لها بعض ما كتبته خلال سنتين من وجودي خارج العراق لتصدر "المتأخر عابراً بين مرايا الشبهات" العام 1994 وثلاثة أرباعها مكتوبة داخل العراق والربع الآخر في الخارج.

ـ "التغريب" أو "الغموض" أو "اللا وضوح" سمة تطبع شعرك، وكذلك شعر مجايليك عموماً والجيل التالي أيضاً. التفسير الجاهز لهذه الظاهرة هو: إن الكتابة في ظل القمع في العراق ليست نزهة، أي أن هذا كان أحد حلولكم في الكتابة. هل ترى أن هذا التفسير صحيح؟ وماذا عنكم وانتم خارج السجن؟.

* سأضطر هنا، للتحدث عن شعري، تاركاً الحديث عن مجايلي للشعراء أنفسهم إذ أن لكل منهم تجربته ورؤيته في هذا المجال كما أظن.

وبقدر تعلق الأمر بي، أعتقد أنه بحاجة إلى شيء من التوضيح في ما يتعلق بالمصطلح. فالتغريب من الغرابة وثمة فرق جوهري بين الغرابة أو الغموض، فالغرابة عنصر أساسي في أي نص يسعى إلى الافتراق والاختلاف عن سابقه، وإذا كان قياس اللاحق على السابق مبنياً على مقدار التماثل فإن اللاحق سيبدو غريباً عن سابقه، ذلك أنه يهدف أساساً إلى إنهاء التماثل وإحلال الاختلاف. أما الغموض فهو الآخر ذو حدين ينبغي التفريق بينهما، فهو إما أن يكون سمة داخل النص وشيئاً من روحه، أو يتحول إلى هدف وغاية ينشدهما الكاتب لإضفاء نوع من الإيهام بعمق نصه.

بالمعنى الأول أرى في الغموض تجذيراً لعمق النص وكونيته، وبالمعنى الثاني أعتقد أنه مجرد افتعال كتابي وانفعال قصدي بكتابات أخرى لم يتم استيعاب جذوتها الحقيقة. اقرأ قصيدتي مرتين وثلاثاً، تدريجياً ستجد أن ما تخيلته غموضاً للوهلة الأولى، قد تحول إلى عالم غير يقيني من الأشياء التي ستبدأ، وبمتعة في إعادة اكتشافها داخل النص وكأنها غمست بحياة أخرى وبألوان أخرى، لا أريد بهذا أن ألمح إلى كاريزما ما لكنني أردت به أن أصف الغموض الذي ينكتب داخل النص أي في الممر الذي يشهد تحولات الأشياء واللغة.

أما في ما يتعلق بالشق الثاني من سؤالك، فأرى، معك، أن كثيراً من التفسيرات أضحت شعارات جاهزة يرفعها العديد من أدعياء الكتابة الذين لم يمسكوا بنارها ولم يهتدوا بها، بل ما تبقى لهم هو دخانها فحسب، أما اللهب فيحمله الشعراء الحقيقيون باستمرار.

غياب التقاليد

ـ وكيف وجدت المشهد الثقافي العراقي في المنفى على صعيد: العلاقات الثقافية، النتاج، النشر، ما "الغث" وما "السمين" في هذا المشهد؟

·  أول ظاهرة سلبية يمكنني الإشارة إليها في المنفى، هي غياب التقاليد. في الداخل كانت الأمور أوضح: الشعراء الموهوبون خارج عربة السلطة، والأدعياء وأشباه المواهب يقطعون تذاكر في الدرجة الممتازة في قطار السلطة. لكن المنفى بلا قطار، فقط عربات متفرقة على السكة، وفي ظل كثرة الصحف التي تصدر في المنفى، كثرت، ايضاً، الظواهر المرتجلة والادعاءات والتنطعات، وتشكلت طحالب كثيرة، وتدرنت وتضخمت بحالة مرضية.

 
 

حوارات مع الشاعر