Make your own free website on Tripod.com

تقترب القصيدة من التشخيص والتجسيد وتبتعد عن الذهنية

الشعر رسائل سرية في اللا وعي الجمعي قديماً وحديثاً

مجلة العواصف

العدد 119

29/5/1992

حاوره: زهير غانم ـ بيروت

تجربة الشعر الحديث في العراق مثيرة إلى حد كبير، إذ كانت المنبع لكرة الثلج الشعرية التي تدحرجت عبر سوريا ولبنان وفلسطين ومصر والمغرب والخليج. إلا أن تطورات هذه الحركة بعد أعلامها، كالسياب والبياتي، وسعدي يوسف والصايغ والنواب، والملائكة، وغيرهم غير واضحة المعالم، خاصة وأن هناك تواصلاً في الحركة، كما أن هناك اتجاه واضح المعالم لقصيدة النثر.

محمد مظلوم أحد الشعراء الشباب في العراق، ورغم عدم طباعته لعمل شعري، حتى الآن، إلا أن وعيه واسلوبه الشعريين، يتميزان بخصائص شعر الشباب العراقي الآن في الوطن والمنفى، ويلقيان الضوء على ملامح هذه التجربة.

التقته "العواصف" في هذا الحوار، وهو بعد قريب من العراق حيث لم يمض على خروجه زمن طويل.

ـ في تاريخ الثقافة العربية، يعتبر العراق النبع الأول لانفجار ثورة الشعر الحديث، هل ترى أن الشعر الآن في العراق يفتح كوة في جدار الشعر المأزوم على صعيدي قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر؟.

* بدءاً أقول: إن النتائج ليست مسلمات، لكنها معطيات لمقدمات وعلى هذا الاساس أرى أن الثورة الشعرية الأولى في الحداثة العربية، والتي بدأت مع السياب تحديداً، كانت نتيجة غير منفصلة عن مقدماتها الحضارية والاجتماعية وحتى البيئية، ومنذ السياب وحتى هذه اللحظة، تجتهد القصيدة العربية في فتح آفاق جديدة للشعر، لا أقول أنها نجحت تماماً، وقد تبدو بعض تلك الآفاق غائمة بعض الشيء، لكن يمكنني أن أشير باطمئنان إلى مقاربة الكتابة الجديدة في العراق لعتبة مهمة باتجاه هذه الآفاق، ثمة اسماء، أو لنقل توجه شعري في العراق، بدأ يتجسد خلال العقد الأخير وله أسماؤه التي اتضحت في تجربة الشعر العراقي الحديث، وهذه الأسماء لشعراء سبعينيين وثمانينيين استمدت رؤيتها من موارد ثرية في الثقافة العربية والإسلامية، وكذلك من الرسائل السرية التي تنتقل في اللا وعي الجمعي، من أقصى نقطة في أقدم حضارات العالم إلى أقرب لحظة في اليومي المعيوش، أضف إلى ذلك الوقائع النوعية التي تدخلت في حياة هؤلاء الشعراء، مما أسقط أمامهم عنوانات كانت إلى ما قبل وقت قصير تشكل (احداثيات عمل) وهذا السقوط جعلهم يتطلعون إلى ما بعد تلك العنوانات، هكذا بدأت القصيدة الجديدة في العراق (تفعيلة ونثراً) ـ وإن كان النثر خيارها الأوضح ـ تنطلق، في استعادة لروح الثورة الأولى، إلى إنجاز خصوصية قد لا تبدو الآن واضحة، لكنني أعتقد أن المنجز منها يشير إلى كامن ممكن، وإذ نتحدث عن المنجز، فأعتقد أن منه ما يشير إلى بوادر ثورة شعرية ثانية.

ـ كان الشعر يصرف طاقته على اللغة بعد انحسار الخطاب السياسي الأيديولوجي عنه. كيف تنظر إلى مسألة اللغة في الشعر الحديث، وعند الشعراء الشباب في العراق وعلى وجه التحديد؟.

* إذا كانت اللغة (فاشية) حسب باشلار، بمعنى أنك لا تستطيع أن تكتب أو تتحدث خارج قوانينها، فهي بهذا التوصيف اشرس أنواع الأيديولوجيات. لكن للغة وظيفة أدائية، ومستوى تعبيرياً، وفي الثاني، حيث أفق الشعر، يحاول الشاعر أن يتماهى مع اللغة لتصبح مقولة (هايدغر) (أنا ما أقول) معبرة عن أنسنة اللغة، إذ تحل الرؤيا هنا محل الأيديولوجيا وكلما اقتربت اللغة من التشخص كان حضور الشاعر فيها أكثف وأعمق.

أعتقد أن اللغة عند الشعراء الشباب في العراق تتجه إلى شكلها الشخصي، حواس الشاعر أصبحت مثقفة، بمعنى أن بلاغة الكتب والمعاجم انتهت وحلت محلها بلاغة الحياة، صحيح أن ثمة معارف يضج بها ذهن الإنسان لكنها إن لم تتسرب إلى فاعلية الحواس فهي غير مهضومة وناقصة، ثمة علاقة بين السرير والقبر مثلاً لا تمكن استعارتها معرفياً فقط، لكن طبيعة حياة الشاعر هي التي تحدد هذه العلاقة، وفي شعر الشباب في العراق ـ وطبعاً ـ يحتاج هذا الكلام إلى تطبيق ـ تجد توجهاً واضحاً نحو استثمار الميتافيزيقي في اليومي، وبصورة أدق تجد اشتباكاً مقصوداً (يحيل إلى أو يتوجه نحو) محققاً خصوصية ما يسميه كوهين (الانحراف) الذي يكاد يجعل كل جملة في القصيدة (بيت قصيد) حسب النقد العربي.

لم ينشغل الشعراء الجدد في العراق كثيراً بالتجارب السريعة لتاريخ الحداثة العربية، وقد ساعدهم في ذلك، التنافس بين ما يسمى في العراق (بالأجيال) إذ أن هذه القضية وإن لم تكن ذات أهمية شعرية مباشرة، لكنها تحفز تياراً معيناً على اقتراح صياغات جديدة تجعله مستحقاً تسمية جيل إذ أن هذه المفردة في الحياة الثقافية والشعرية تحديداً والتي تحسب في العراق بالعقود، تتطلب وجود خصائص نوعية للمستوى التعبيري.

ـ شعراء الجوائز والروائيون أيضاً الذين حازوا على جوائزهم من مسابقة مجلة الناقد، هل تظن أن هناك قيماً أدبية خاصة بالجوائز مختلفة عن قيم الإبداع بشكل عام. (حاز على الجوائز عراقيون في الشعر والرواية)، وكيف تنظر إلى أشكال الجوائز الأدبية، بدءاً بنوبل، وجائزة صدام، والعويس، الريس، الصباح؟.

* كل رؤيا معيارية لابد أن تستند على محددات معينة، فكيف الحال إذا كانت تلك المعيارية، لمعيارات أخرى، كما هي طريقة منح الجوائز أعلاه؟ صحيح أن المعايير تختلف بين هذه الجائزة أو تلك، لكنها تبقى في النهاية محكومة بتلك المحددات، فهي بالتالي لا تنحاز إلى الإبداع بقدر كاف.. هناك ـ على صعيد الشعر مثلاً ـ شعراء لم يحصلوا على نوبل للآداب لكنهم افضل من كثيرين ممن منحت لهم تلك الجائزة، خذ ريتسوس مثلاً فقد مات ولم تأته نوبل، فهل يعني ذلك شيئاً سلبياً ضد ريتسوس أم ضد الجائزة؟ من جانب آخر فإن الجوائز المقتصرة على الشعراء الشباب قد تسهم في التعريف والتنبيه إلى توجه إبداعي معين (باسم المرعبي وخالد جابر يوسف) إصدرا مجموعتيهما الوحيدتين حتى الآن من خلال جائزة يوسف الخال للشعر، لكنهما يشكلان صوتين ضمن تيار شعري موجود حتى قبل الجائزة.

ـ بين التراث والمعاصرة ما يشبه طروحات الصراع السلبي. كما أن هناك ملامح صراع بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، ثم قضية المثاقفة مع الغرب، كيف تنظر إلى هذه القضايا هل هي جوهرية أم عرضية في فضاء الإبداع العربي؟.

* هذا السؤال ينطوي على ثنائيات مشتبكة ومعقدة تقود إلى ثنائيات سواها، ربما أكثر اشتباكاً من الأولى، ومن أجل فك هذا الاشتباك، نحتاج إلى ما أسميه (الحوار) إزاء ما سميته الصراع السلبي، لكي نخرج بمحصلة لا تعني بالضرورة طرح ونقض إحدى الثنائيتين، لأنني لا أرى تناقضاً قدر ما أرى اشتباكاً، لذا أجد أن القطيعة النهائية وهم فحتى التقاطع ـ فيزياوياً ـ يعني التقاء في نقطة ما، هذا الالتقاء أو التواصل هو ما يمكن أن أسميه "حوارية المختلف" لتحقيق هوية ما خارج النقض والإلغاء، فالشعر هو الشعر سواء كتب موزوناً أم نثراً، لكن أي النوعين قادر على تمثل الشعر؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن ينطلق منه الحوار.

ـ تحدثت عن مناخ شعري أو اتجاه وتيار، أكثر من شعراء على صعيد فردي. ما الذي تقصده من ذلك؟ وما هي ملامح هذا التيار؟ وهل هناك انقطاع بين الرواد في العراق: السياب، البياتي، سعدي يوسف، حسيب الشيخ جعفر، يوسف الصائغ. وبين الجيل الذي يليهم، وجيل الشباب. ولماذا الشعر دائماً في العراق على وجه التحديد؟.

* أعتقد أن فكرة الشاعر الفرد الذي يؤسس اتجاهاً شعرياً قد اضمحلت، ثمة شعراء يلتقون على ثوابت ومعطيات معينة ـ مكانية وزمانية ـ دون أن يعني ذلك إلغاء للخصوصية التعبيرية لدى كل منهم، يقترحون خطابهم من خلال النص، ولو تأملت التجارب الفردية للشعر الجديد في العراق، لوجدت  مناخات عدة ولكل مناخ شعري أسماؤه وآراؤه. وبما أنني أشرت إلى بوادر اتجاه مختلف في التعبير الشعري في العراق، فمن الطبيعي أن تكون هذه الإشارة معتمدة على (كم نوعي) من النصوص والمجموعات لقراء محددين أشرت إلى بعضهم، وفي هذه النصوص تجد خروجاً نحو التجسيد، بمعنى أن التذهين الذي طالما غيب أو غرب الشاعر عن نصه قد بدأ يتراجع فيما يحضر الشخصي، الممتد عضوياً، بقوة في النص، أيضاً فإن الشعر الجديد هو شعر يشتغل على الصياغات (تركيب الجملة) أكثر من اشتغاله على المفردة وعلاقته المحدودة بالمفردة التالية، والصياغات موظفة بشكل فعال بوصفها معنى آخر أكثر من كونها مبنى سطحي! وقد انتبه الناقد (حاتم الصكر) إلى ذلك وعمل على إبراز هذه الملامح في قراءاته لهذا الشعر وشعرائه.

أما في ما يخص التجارب السابقة في الشعر العراقي، فليس ثمة انقطاع عنها بل ان ثمة (حواراً مختلفاً معها) فالشعر الجديد في العراق انطلق أصلاً من الإضاءات في تلك التجارب، ومن بعض التجارب العربية (أدونيس وانسي الحاج) لكن بعض شعراء الجيلين الأخيرين (السبعينات والثمانينات) هي التي تمثل التعبير الذي يمكن من خلاله استظهار الملامح التي أشرت إليها.

أما لماذا الشعر في العراق؟ فيقودنا إلى سؤال متناسل لماذا النهران في العراق؟ ولماذا سومر وكلكامش وبابل؟ لماذا الدم؟ ولماذا لا تنام الأمهات على الفراش عند غياب أبنائهن؟ هل يدركن أن السومريات كن يتركن النوم على الحصير وينمن على الأرض حتى عودة الغائب من الحرب؟.

 
 

حوارات مع الشاعر