Make your own free website on Tripod.com

أيام محمد والذين معه

سعدي يوسف مجلة المدى العدد 14 ـ 1996

"محمد والذين معه" ـ شعر ـ 96 صفحة.

الشاعر: محمد مظلوم

الناشر: سلسلة إصدارات "كراس" ـ بيروت/ الرباط.

الطبعة الأولى ـ 1996

من الإمتاع، والتعب أحياناً، أن يتتبع المرء المسار الفني لهؤلاء الشعراء الشبان، الذين خلفوا محرقة العراق وراءهم، وإن ظلوا يحملون جراحها الغائرة، في ثنايا ضمائرهم ونصوصهم.

يتأتى الإمتاع من متابعة الخلاص الفردي فنياً، أما التعب فمصدره هول الماضي القريب الذي يكاد يقيد، أو يعيق، عملية الخلاص الفني، هذه التي تشترط توازن التحكم والحكم، مستلزماً أول. و"حالة" محمد مظلوم، بالرغم من كل خصوصيتها ليست بعيدة عن هذا السياق.

مجموعتاه السابقتان: "غير منصوص عليه ـ ارتكابات" 1992، و"المتأخر ـ عابراً بين مرايا الشبهات" 1994، معنيتان بالصدمة الشكلانية، سواء في تركيب الجملة الشعرية، أو طبيعة إقامة العلائق بين الأشياء، أو الدلالة غير المؤصلة في مشروعية النص وإن كانت حاضرة بصورة أو بأخرى في مستهدف الشاعر. وفي هذا المجال، أعتقد أن الأمر ليس خاصاً بشاعر واحد هو محمد مظلوم، إنما هو ظاهر يكاد يكون شائعاً.

المسعى، إذاً، لدى الشاعر، ولديَّ أنا الذي يتابع، هو في مراقبة الفكاك من ربقة المجموع الشعري، الجماعة، النسق الذي إن امتلك حيثيات ميكانيكيته، فإنه يظل نقطة الافتراق، لا الانطلاق، عند كل من يحاول إقامة بيته الخاص، غرفته في الأقل.

"محمد والذين معه" ـ بالمناسبة هو يعني وينعي نفسه ـ لا تخلو من آثار الوطأة التي أشرت إليها في ما تقدم (انظر مطلع "أيها الموت" الذي يستغرق الصفحة السابعة)، ففي هذا المطلع تبرز الشكلانية، والعمومية، والإيماءات غير المؤصلة فنياً، والتفاصيل غير ذات العلاقة.

لكن النص يشرع في الإمساك بالأشياء، وبالموضوع، مباشرة منذ البيت الأول في الصفحة الثامنة: "كانت السنة الأخيرة من حرب متأخرة"، ويمضي متحرراً، متفرساً:

زرعت لي ألغامك في كل نوم

أتذكرك في عيون أصدقائي

هبطت فيها سبع سماوات

وأيديهم التي سقطت منها بقية الأرض.

أتذكرك يا صديقي

في أعناق أصدقائي المصلوبين على

مشانق تستدير

ولا تتلفت معهم.

أتذكرك، وأنت تحرسني

في معارك تختارني مصادفاتها.

أتذكرك في انقفال أبواب الدبابة

وهي تعبر غابات "التاو"

في الأشجار التي تنيم مصائدها عندما

اقترب

أتذكرك

في جثث مكبوبة على الوجوه، تصرخ:

أنا

"ص8 ـ ص9"

ثمة رغبة حقيقية في تنظيم الفوضى، رغبة في ترشيد التدفق الطاغي، وطموح إلى مراقبة السيل بدلاً من الانجراف معه. وليس بمنأى عن هذه الرغبات، ما نراه من تقسيم المجموعة إلى محاور ثلاثة هي بالترتيب: موت جلجامش، جنازة المفقود، نساء من كل الجهات.

في الصفحة الثانية والعشرين من محور "موت جلجامش" تطالعنا قصيدة "ساعته" التي أثبت هنا نصها الكامل:

 أعطاها لغيره، ليلغي مواعيده مع الله.

وكانت يده تؤلمه

كلما اهتز قلبه بين فخذي أنثى

وغيره صار راكضاً إلى مواعيد ساعته

ـ وكانا يلتقيان عند نسيان متلاحق ـ

وما أن انتحر الأخير وسافر الأول،

حتى بقيت ساعة يدوية

تنتظرهما في يد جندي مفقود.

ينام، وتحلم عنه، وتغلق الباب أيضاً!

وفي الصباح تغسل وجهه نيابة عنه

وتفرش أسنانها، ثم تخرج

بينما لا يزال في السرير

معتقداً أنها مازالت نائمة قربه.

أعتقد أن هذه القصيدة (وثمة مثيلات لها في المجموعة) قد تصلح أنموذجاً للتطور الراهن في مسيرة محمد مظلوم الشعرية، وهو تطور أحتفي به.

النص صادم، لكن ليس باستعاراته، وتراكم صوره العامد المتكلف، إنه صادم بسبب هذا الحجم الهائل من الواقع، المكثف في ثلاثة عشر بيتاً.

إنه صادم بسبب ما ينسجه من علائق تبدو سريالية جداً، بينما هي مستلة بعنف من واقع لا يضاهى في غرابته وفجيعته. وإنه صادم بتقشفه. لا عناصر جمالية مضافة، لا تعمد تكرار أو موسقة، لا نعوت زائدة، ولا انهيال مصادر. في هذا النص، ليس ثمة من مفارقة. في النص مجموعة ارتطامات ومفاجآت تشكل المدهش، المدهش المعتمد بالكامل على واقع ناتىء، نكاد نلمسه لمساً، وعلى لغة تخلت، غير آسفة، عن هالتها، أو هالاتها.

أظن التجلي الأكثر امتداداً، وتواتراً، في صيرورة محمد مظلوم، يبرز في المحور الثالث بخاصة، أعني، "نساء من كل الجهات" ابتداء من الصفحة السابعة والستين، حتى نهاية المجموعة:

أهي استراحة المحارب؟

أهو التمرد المجدي على كوابيس الحرب؟

أهو النص الذي سوف يعتمده الشاعر في مرحلة تتشكل واثقة؟:

تعبت من السنة الماضية

بما فيها من نساء سواك

وما فيها من قصائد مأهولة بالحروب.

"ص 69"

للمرة، ربما الأولى، نشهد الهدوء المبارك، هذا التوازن المرهف والاتزان، ونشهد فتى معافى، لا أنقاض جندي:

أحلم في هذه السنة،

أن نحلم معاً.

أن يمتد النبيذ إلى آخر السنة،

أن تكوني أول من أقبِّلها في كل سنة.

أن نخرج من صورة هذه السنة،

ونصور السنوات بنا،

وأن أرى يدي ـ خارج الصورة ـ

تشير إلى حياتي

"ص 70"

ليس بالأمر اليسير أن ينفض محمد مظلوم عن شرايينه، ذلك الهول كله، إذ مازال الهول يطل مكفهراً، حتى في أوقات الحب (انظر قصيدة "سعيد مثل ديك" ص80). لكن النصوص والمقاطع الصافية تمنحنا ثقة بأن هذا الشاعر قد استنقذ ذاته، ليمضي حراً، وعلى شفتيه حتى لو كانتا مزمومتين، ابتسامة غامضة.

سعدي يوسف

 

حاتم الصكر ـ مجلة أسفار 11/12 (1989)

محمد مظلوم: وشاية الكلام أو صلة المكتوب بالمحذوف

ما صلة المكتوب بالمحذوف؟

يتساءل محمد مظلوم في نصه الذي يمثل تصاعداً ذروياً أخاذاً يبدأ من جملة صغيرة ليحتدم السطر كله نثراً متصلاً في النهاية.

وليست القصيدة إلا إجابة عن سؤال العلاقة بين ما قيل وما سيقال، بين الكلام والصمت، بين الكتابة والبياض. التكرار والحذف. الثرثرة والإشارة. وبهذه المعاني نتعرف على بؤرة النص أو نواته.

ليس في هذا النص مجانية. إنه حتى عندما يكرر المقولة بتقليب مفرداتها إنما يرينا حكمة الصمت بإزاء حماقة التكرار. وهذا هو توق الشاعر كما جسدته القصيدة، وانعكس على بنائها أيضاً.

إن التراكم الخارجي الذي يحذرها منه نقاد قصيدة النثر لا يحضر هنا بمعناه السلبي، وإنما لخلق الإحساس بالضجر من التكرار:

ـ الصيف أكثر عتمة من الصيف.

ـ الشبح ببابي حشد الموتى

أو

ـ لعله حشد الموتى ببابي.

يلاحظ كمال خير بك وهو يدرس قصيدة النثر في طور الحداثة الثاني أن الجملة الفعلية تستبدل في الأنساق اللغوية الجديدة ليحل محلها نسق من الجمل الاسمية. وهذا ما أراد الشاعر أن يقوله داخل النص حين أعاد ترتيب جملة الشبح؛ بعد أن حذفه من الثانية وكان قد بدأ به الأولى.

نستطيع القول أن الشاعر يحس ضغط الكلام بعنف. فيوجهنا منذ نص العنوان إلى هذه الحقيقة فالعنوان يعرفنا على المحذوف قبل أن يتكرر مستثمراً البياض بنقطتين، تمنحان الفرصة للتفكير بمحذوف ما. إننا نخشى مع الشاعر تكراره، لذا نكون قد دخلنا مباشرة إلى نواة النص منذ مطلعه.

إن المطلع هنا هو النواة؛ بهذه البداية الغريبة بواو لا سابق لها سوى البياض أو المسكوت عنه الذي علينا أن نعيد تشكيله:

ولا أسميه

لولا أنه يتهجاني

في بياض كامل

إن الشاعر مغدور بوشاية الكلام. لا يسمي المحذوف لكنه يتهجاه في البياض. ونستطيع التعرف على قائمة طويلة من هذه المحذوفات التي يركز بها الشاعر بنية الصمت كالرسائل المعدة للتأجيل واللافتات غير المقروءة والإغفاءة البيضاء؛ الأحلام النائمة والموسيقى العارية والسكوت والقطيعة. وتلك الأيام التي لا تتكرر.

(الكلام وشاية بالأحلام لدى السيد السكوت) هكذا يختصر محمد مظلوم معضلة التراكم الذي يعاني منه العالم. وكلما فتح الشاعر عينيه لم يجد إلا أربعاء موصولة بأربعاء وأحداً يلي الأحد مباشرة.

إن الإحساس بالزمن مرادف للإحساس بالصمت. ليس من فسحة: نساء تتكرر كالأيام. وأيام موصولة. الكلمات تتسابق للحضور ولكن خارج البياض.

وهكذا يمتد التوازي بين بنية الصمت والتكرار كأقصى حالات الكلام ضجراً؛ فيغدو النوم كتابة ندخل مع الشاعر إلى متحف أحلام نائمة يقودنا إليه أعمى! ولعل هذه العبارة تختصر البؤرة كلها قبل أن تغرق أشعتها فيما حولها من جوانب النص.

(فالأعمى) الذي انتسب إلى البياض وانقطع عن تكرار المرئيات يقودنا في متحف هجعت فيه الأشياء وكفت عن الكلام والحياة وهجرت الخارج والزمن: وارتضت أن تكون بيتاً للأحلام التي نراها نائمة تنتمي إلى الغياب أو البياض الذي يكمل بنية الصمت. فالنوم كما يقول الشاعر كتابة الصمت على جسد يثرثر.

هل نستطيع أن نسمي هذا النص (سيرة المحذوف بالتكرار) استناداً إلى إحدى جمله؟

هي دعوة إذن لقراءة النص الموازي الذي يبثه الشاعر بين الأسطر ويحيلنا إليه عبر تناص بليغ لا إعلان عنه. في قوله (وجدتها) مثلاً حيث يغرينا بشظية مرجعية لا نحصل منها في النهاية إلا على مفارقة بين الاكتشاف العلمي (أرخميدس) والصدفة العزلاء (الشاعر).

وهي دعوة لقراءة البياض غير المجاني، المعبر عنه بنقاط، تدعونا لقراءة النص الموازي المحذوف الذي حجبته خشية التكرار المتخذة نواة للنص الظاهر. هذا نص يواجه قسوة العالم بإيقاع الصمت فيغدو شكله مضمونه ومضمونه شكله. وبهذا يمكنها أن نقرأ تفاصيله الصغيرة التي تبدو لنا أحياناً بعيدة عن المركز أو النواة/ لكنها مرتبطة به عبر ثنائية التكرار والحذف التي كانت أشد المهيمنات وضوحاً في هذا النص الحديث.

ــ

شعرية محمد مظلوم

بين التأريخ واليومي المعاش

فتحي عبد الله مجلة القاهرة العددان 167 ـ 168 اكتوبر 1996

 

إن طموح أية جماعة بشرية يتحقق بوسائل عدة، قد تكون الحرب أكثرها حسماً لأن أفعالها شاملة وقاطعة وذات تأثير مباشر على الذاكرة الجمعية، إذ تدمر مفهوم الزمن المنطقي التراتبي ويحل محله الزمن الحلزوني غير المنضبط، مما يحدث اختيارات عشوائية لعناصر تلك الذاكرة باعتبارها بنية في حالة تصادم وحركة لتأخذ الشكل الذي يتناسب مع ما حدث للمجتمع، مما يهدد أنماط السلوك الإنساني السابق عليها ويدفع بها إلى أنماط مغايرة في الغالب تكون أكثر إنسانية وأقرب إلى روح التحديث.

وهذا يؤثر بالضرورة على طرائق الإبداع في كافة الأشكال.

إن التماسك الاجتماعي الزائف والترابط القائم على مشاعر وعواطف قبلية وعشائرية ليس قادراً على مواجهة متطلبات اللحظة الراهنة في واقعنا العربي إن الشتات والتشظي وربما التجاور هو أنسب هذه الأشكال جميعاً لتربية عواطف جديدة، ليس بالضرورة أن تكون القسوة مركزاً لها. إنها لحظة مركبة ومتعددة السطوح وإن كانت ذات جذر واحد.

ان ما هو كلاسيكي في هذا السياق يأتي ليؤدي دوراً في تكريس هذا الجديد. وان ما هو مطمور ومحذوف تحت سطوة الحداثة باعتباره شعبياً أو إثنياً قد يؤدي هو الآخر دوراً منافياً لدوره القديم مع الاحتفاظ لسطوة ما هو تجاري بأهميته العظمى سواء فيما هو يومي ومعيوش أو فيما هو إيداعي.

إن قصيدة النثر بكافة طرائقها تعبر عن هذا الإشكال بوضوح تام، خاصة في نماذجها الناصعة التي تبتعد عن مخلفات الحداثة الغربية بمعضلاتها الثقافية والسياسية، وتسعى بما تمتلك من حرية وإرث إنساني عظيم ـ ربما في حاجة إلى المراجعة والاكتشاف لا إلى التأويل ومحاولة تكييفه مع ما هو سياسي عارض يخدم أغراض المؤسسات السياسية المحلية والعالمية معاً.

إن هذا الشكل المقترح "قصيدة النثر" يتهدده أخطار كثيرة، أهمها أن النص لم يتجاوز فرح الاكتشاف الأول وأخذ الشعراء يكررون هذا الاكتشاف حتى أصبح مستهلكاً مبتذلاً ومتاحاً لأنصاف المواهب وغير العارفين بمتطلبات هذا الشكل. وأكثر من هذا رغبة النقاد عديمي الموهبة والتذوق في التواجد فلم يجدوا إلا هذه النماذج الركيكة لتحقيق وجودهم المعرفي فكرسوا لها باعتبارها ممثلة لقصيدة النثر.

ومن النماذج الجادة التي تحتاج إلى كثير من المناقشة والاجتهاد قصيدة النثر في العراق، خاصة في حلقتها الأخيرة التي يمثلها: نصيف الناصري، باسم المرعبي، محمد تركي النصار، خالد جابر يوسف، محمد جاسم مظلوم وآخرون، وهي وإن تميزت وتنوعت واختلفت بحسب الانحيازات والمفاهيم الخاصة ودرجة الموهبة، فإنها مازالت مهمشة ومحذوفة وقد تكون هناك أسباب شعرية لذلك وسياسية ساعدت على تكريس هذا الوضع.

وديوان (محمد والذين معه) للشاعر محمد مظلوم الصادر عن سلسلة إصدارات "كراس" عام 1996م نموذجاً لهذه الحالة.

وقد اهتم مظلوم في تجربته السابقة عبر ديوانه "غير منصوص عليه ـ ارتكابات" و"المتأخر ـ عابراً بين مرايا الشبهات" بشعرية الاستعادة، حيث يوجد لديه عالمان مختلفان، أحدهما تاريخي كان متمثلاً في ميراث الشيعة وما تحمله من عذابات خلاقة وحميمية الاحتفاء بالأشياء الخاصة التي تكوّن أسطورته المعاشة والحية عبر عملية تطهير قاسية فيتجلى نموذج المخلص/ المهدى سواء في الرؤية الشعرية الممتزجة بما هو ديني وبما هو شعبي في طقسية عالية لتكشف عن عذابات الضحية/ المجتمع بكامله، وكأننا أمام شعرية الرسالة ذات الشفرات المتعددة التي يكتنفها غموض ذو سحر يذكرنا بلغات المهووسين والمشعوذين أو الهذائين الجدد بما فيها من علاقات سريالية لأنها تحتكم في توالدها إلى منطق داخلي مشبع بأشواق المقهورين تاريخياً واجتماعياً ورغبتهم في الخلاص.

وثانيهما: هو عالم المعيش الحياتي وما أصابه من كوابيس اضطراب المجتمع وفوضاه، حيث السلطة حاضرة وقريبة من الشارع بشكل بدائي ومتخلف ومتآكلة في الوقت نفسه إلى أن تحقق الفعل الفاضح وهو الحرب، فكان الواقع والتاريخ شيئاً واحداً.

ومن هذه الرؤية خرج ديوان "معه والذين معه" حيث الموت تيمة رئيسية، ليس الموت الفيزيقي فقط، ولكنه الموت الأسطوري الذي يعتبر أقصى درجات الحياة، حتى أصبح الموت كائناً حياً.

ومن هنا تغير منطقه الشعري من الاستعارة حيث اللغة المجازية تلعب دوراً كبيراً في إحداث الحالة: أو تكون اللغة هي الحالة بكاملها إلى شعرية اليومي المعاش حيث أفعال الواقع والخيال لا يمكن فصلهما وإنما اكتشافهما من خلال اللغة الفاعلة وقد تحقق هذا في أغلب قصائد الديوان ومنها:

"أيها الموت، الموت بين نهرين ـ هجّاء الموتى ـ:

 

كان جوعك الأفريقي يترصد ما

تلقيه الطائرات

وما تطبخه النيران من ذكرياتنا

فكم أبقيت من نسيان لأعرفك

كم سميت لي من أحفاد

لأشتبه بسلالتك الصماء

صديقي أيها الموت" ص11.

"الهارب من حروب قديمة

دلني على جثة لا تعود لأحد

ذلك أن جميع من جاؤوا

تعرفوا على حالا" ص17

كاميراتهم على حالها، ولا شيء يحدث

فمن يستدل على صور الميتين؟

إذ يتسللون بأغلالهم

بلمعان خريفهم

وأشجارهم العابرة" ص40

وأمام سريالية الحرب وعبثها وغياب أهدافها النبيلة في نفوس المحاربين أو مبررها الوجودي لتلك الجماعة، فلم يجدوا إلا الهروب سواء إلى الداخل أو الخارج لإنقاذ ما تبقى من الحياة وقد تمثل هذا الموت الجزئي من نمطين من أنماط المقاومة، أولاً: الجنون وهو لحظة المواجهة العظمى والتدمير الكامل لكل آليات هذا المجتمع وما يفرضه من منظومات قيمية سواء في السلوك اليومي أو أنساقه الكلية التي تمثل هيكل الدولة وقد تحقق هذا في قصيدة "كاميرا المجنون".

"على أثر خائف

أتعقب ضاحية من مجانين فروا إلى داخلي

وأترقب عيني كي أتعرف فيهم:

على الهاربين من الحرب،

والمتعبين من الحب، والباحثين عن الله

كي لا تصفّ الإشاعات أولادهم وتعلمهم.

أن يعودوا إلى التسميات" ص31.

ثانياً: النسيان، وهو فعل انسحاب ينتج من تصادم اللحظات التاريخية بما لها من دلالة إيجابية مع ما هو حاضر بما له من دلالة سالبة، وهذا الانفصال الحاد بين الشاعر وذاكرته يخلصه ولو بدرجات متفاوتة من الإحساس بالمسؤولية وهنا يأخذ اللعب بمفهومه الفلسفي دوراً كبيراً في القصائد ليظهر عبثية ما يحدث أيضاً وضعف الشاعر وانحسار دوره في الرثاء والإخبار عن الموتى وكأنه الذاكرة الجديدة، مثل قصيدة "لاعب الكرة".

"وكلما تقدموا،

ذكّرهم بالماضي فالتفتوا وغاب.

كأن كل جيله سيهرب في النسيان.

وتتسلل أيامهم ولا تمتد،

كأن لعبته ستستمر ـ بلا كرة ـ منذ

أضعناها تحت عجلات تهرب

محملة بأجدادنا.

إلى أضرحة يتفقدون فيها

مستقبلهم" ص48.

إن الأفعال الإنسانية جميعها لدى الشاعر تحدث في النوم كأنه أصبح بديلاً لليقظة، لما للنوم من رحابة التخييل وأنس المجالسة البعيدة عن أعين الأعداء ومن هنا تم استبدال الليل بالنهار والليل والظل بالشيء الحقيقي والسواد بالبياض ولاشك أن هذا يعود ـ بعيداً عن شاعرية النوم ـ إلى جذر أسطوري في ذاكرة الشاعر/ فالمخلّص دائماً، غائب وحاضر في الوقت نفسه، والليل زمن وتوقيت سريان المشيعين له. إنها حياة البرزخ ما بين الموت والحياة.

أما النهار فهو رمز السلطة وأفعالها كلها باطلة ومن هنا كان العمى هو الإبصار الحقيقي والمشاهدة الحقة هي مشاهدة هؤلاء العميان وتمثل قصيدة "يتبعني النهار فأتلفت" هذا المنحى:

"متى تنام الأرض لاستبدال ظلها،

لأفر من غاباتها

إلى الميتين تحت شمس الشبهات.

كيف أموّه عدميتي؟

والرنين بعينيه الخائفتين يرتطم

بنعاس ظلي، ص61.

"المتطوعون لإشاعتي في النسيان ليليون والأحلام ترتجف في نومها،

كأشجار تفر من ذكرياتها وعليها

اثمار كبيرة

وعندما أبدلوا ليلهم بحجر

أيقظوها" ص65.

"في الظلام

أجنحة الجنوب الهاربة

مرهونة ببكاء وفير

كأنما فوضى عناوين

تصمم سورة لخاتمي

على خرائط الصمت" ص64.

لقد استخدم مظلوم في تجربة هذا الديوان الأداء الملحمي في بناء نصوصه وقد ساعده على ذلك أن بنية نصه متعددة العناصر وليست في لحظة ساكنة وإنما في لحظة متصارعة، وكذلك الحضور الحي للحرب وهي إحدى ركائز العمل الملحمي مما تستدعيه من مشاعر جماعية وطقوس احتفالية ذات سحر خاص إلا أن هذا البناء الملحمي رغم إشباعه الدلالي والفرصة الكبيرة التي أعطاها للشاعر في استخدام وسال تقنية كثيرة ومتعددة كانت وراء تطور أداء الشاعر عن تجربته السابقة إلا أنه حرم النصوص من الشفافية والعمق التي جاءت في بعض المقاطع.

وقد استخدم الشاعر تقنيات أخرى منها التعريف بتعدد أجزاء المسمى كالقصائد التالية:

(إجازته ـ ساعته ـ نظارته ـ جواز سفره ـ وصيته) وهي تختلف كثيراً عما سمي بشعر التسمية القائم على العمل الميتافيزيقي للغة، ففي قصيدة "جواز سفره":

"أوصوه

أن يوثق ظله إلى جبل ينهار

ووعدوه بما خلف البحار

من سواحل منذورة لأقدامه

وبأنه سيجهش تحت أشجارها

حتى يستعيد صرخته" ص24.

واستخدم أيضاً البناء الدائري، كأن يعود في كل مقطع من القصيدة إلى نقطة الصفر في الدلالة وكأن الزمن لا يتطور وكأن الأحداث واحدة، وكأن التكرار هو الوسيلة الوحيدة لمقاومة الموت ويظهر هذا البناء بوضوح في قصيدة "هجّاء الموتى" ص37 ـ 40.

أما البناء المتقطع فقد ظهر في قصيدة "آباء النسيان"، وآخر البناءات وجوداً في الديوان الدفقة الواحدة ذات النفس القصير، وهي لا تناسب الشاعر كثيراً وإن نجح بمهارة كبيرة في استخدام هذا الشكل في قصائد: هؤلاء أنا ـ لاعب الكرة ـ مدرس العربية، ـ ففي "لاعب الكرة":

"كأن دائماً قبل جريانه،

يصف أياماً لا يصلها

وفيه أصدقاء يغادرون فجره

حيث ـ في نهاره ـ احتضنوا خياناتهم" ص48.

إن شعرية مظلوم في هذا الديوان قد انكشفت بعد أن تخلص كثيراً من الحمولة اللغوية الزائدة وكذلك بعد أن تخلص من المجاز القديم، ليصل إلى ذروته الشعرية.

إن مظلوم شاعر من طراز خاص، متعدد العوالم ومتعدد وسائل التقنية، وهذا ما يمنحه خصوصيته ضمن السلاسة العربية النادرة.

ــ

 

غير منصوص عليه ـ ارتكابات ـ

قول مبني للمجهول

 صلاح حسن مجلة المدى العدد السادس 1994

 

كيف يمكن للنص الشعري أن ينجو بنفسه من حرب التحليل؟ سؤال طالما يطرح دون أن تكون هناك إجابات شافية عنه. وفي تقديري أن الإجابة عنه تبدأ بسؤال هو: هل يختبئ النص الشعري خلف مرجعياته؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستقدم لنا إجابة تامة عن السؤال الأول. يقوم النقد بتفكيك الخطاب الشعري وتحليل مستوياته وتصنيفها.. فماذا يحصل عند ذلك؟ انه الكشف عن هذه المرجعيات التي يتوارى خلفها النص بوصفه نتاجاً معرفياً لم ينبثق من الفراغ. ان النصوص الشعرية الحديثة تاريخ سري وشخصي للشاعر.. والمرجعية هنا هي حياة الشاعر المدونة في كتابه. وعلى ذلك سيكون البحث منصباً هنا عن حياة الشاعر في نصه لا العكس.. لأن حياته مبثوثة في النصوص. وما يهمنا من حياة الشاعر حصراً أسراره التي تتقنع خلف العبارات الذي يريد أن يوحي به دون أن يقوله كاملاً.. انني أجد أن مهمتي هي إكمال النقص العباري في النص لأن الكل لا يقال أبداً بحيث يكون التأويل أحياناً أسلوباً من أساليب مواجهة هذا النقص وتعويضه عن طريق توفير المعنى.

وبما أن لكل خطاب شعري القدرة على إخفاء الذي يريد أن يقوله من خلال ما لا يريد أن يقوله بتوفير المدلول بالنسبة للدال الواحد.. فإن التكرار أو كتابة تاريخ للأشياء المقولة ـ الذكريات ـ أو الأقوال المبنية للمجهول ـ القناع/ التأويل ـ ستكون هي الشفرات التي من خلالها سنصل إلى متعة النص (أسراره).

هل يعني ذلك أن النصوص الخالية من الأسرار هي بلا مرجعيات؟ كلا أبداً. ان النصوص الخالية من الأسرار والتي تحقق ما تحققه تلك النصوص (السرية) لهي في غاية الجدة والأصالة.. لماذا؟ لأن هذه النصوص (منحرفة) وتكمن في أنها كائنة خارج كل غاية يمكن للمرء أن يتخيلها.

في ضوء هذه الملاحظات سنقرأ مجموعة الشاعر العراقي محمد مظلوم ـ غير منصوص عليه ـ ارتكابات ـ الصادرة عن دار الحضارة/ بيروت 1992.

العنوان هنا ـ لافتة ـ وسر في آن واحد. لافتة، لشخص غير منصوص عليه (سنجد ذلك في الخطاب القرآني والخطاب الصوفي). وسر، في ارتكابات نصف معلنة ـ نصف مقولة ـ سنجدها في النص. إذن لدينا هنا مرجعيات فلنعول عليها ونترك الانحرافات.

1 ـ لافتة، لأنه يبدأ القصيدة الأولى "بانتظار الغائب" وقصائد أخرى غيرها بتقاديم من القرآن والنفري والإمام علي.

2 ـ سر، لأنه يكرر مفردات محددة في النصوص قاطبة دون أن يقول ما يريد أن يقوله كاملاً.

تقول اللافتة:

(قال هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً).

(قرآن كريم).

(أفضل العبادة الصمت وانتظار الفرج) (الإمام علي).

بينما يتمظهر السر في (التأجيل، الغياب المحكي، الذكريات، الظلام، خريف، أعمى، أعزل، الندم، المشهد، خطئي، عدوي، أخطاء، الحروب، هزائمي، المعسكرات، المراثي، رمادي، اللافتات، الرمال).

لنبدأ الآن بتفكيك اللافتة ليتسنى لنا الوقت الكافي للبحث عن السر.

في قصيدة (العودة إلى الحاضر) التي تسبق بثلاثة تقاديم للإمام علي والنفري تفصح اللافتة عن تمظهراتها في النص.. تقول التقديمات:

آ ـ (واستعملت المودة باللسان وتشاجر الناس بالقلوب) (الإمام علي).

ب ـ (نم لتراني فانك تراني، واستيقظ لتراك، فانك لن تراني). (النفري).

ج ـ (الحرف يعجز أن يخبر عن نفسه فكيف يخبر عني) (النفري).

وبالعودة إلى القصيدة فإننا سنجد ظلال هذه التقديمات مضمنة بين السطور..

(يبدو أن الألف الذي تبتدىء به امرأة يحن دائماً إلى الالتصاق بنفسه، منعاً للتكرار والغاء للتباعد، لذا فهو يتحد مع الألف الثاني ليصبح "هو الذي يشبهه" تاركاً للميم التي هي "قبل ليس" أن تبدأ بالخلق).

وبالاستناد إلى الخطاب الصوفي فإن الألف الأولى في كلمة امرأة والتي تحن دائماً إلى الألف الذي يحن إلى الالتصاق بنفسه، ليصبح هو الذي يشبهه تتحصل عندنا كلمة (الله) الذي ليس قبله شيء/ أو هو الذي يشبهه مقارنة بمنزلة الحرف (أ) عند الصوفيين. وفي قصيدة أخرى (انكم تحرقون نهاري بأعيادكم) يتجلى الحس العرفاني بالتأويل باعتبار التأويل ركيزة أساسية في البنية الصوفية.. تقول القصيدة:

"ويقرأ خمس مقابر غامضة، خلف كاف هي عصر بلا حكماء0

كـ تائب مسبية قرب صف معاد،

هـ لاك الحروف التي فسرتني

يا دم الأرض مَنْ بعد موتي؟

عـ طشت أمام المرايا

صـ برت فنام على بصري القاتلون".

لننظر إلى الأبيات الخمسة الأخيرة من هذا المقطع لماذا لجأ الشاعر إلى فصل الحرف الأول من الكلمات الأولى من الأبيات؟! سنعرف السبب حين نوصل هذه الحروف عمودياً وسنحصل على كلمة (كهيعص) وهي عنوان لآية قرآنية ساطعة.

أولها الصوفيون بما يلائم درجاتهم ومنازلهم. والشاعر هنا يستفيد من كل هذه المعطيات ليحقق فكرة (التمركز على الذات) بجعلها بؤرة أو (عدسة/ أمة) تتمركز حولها الأشياء وتنطلق منها. وبالمحصلة النهائية تتحول ذات الله وذات الشاعر إلى ذات مركزية واحدة وبحذف مفردة (ذات) من المعادلة يصبح الله هو الشاعر ـ توفير المدلول لدال واحد ـ هو غير منصوص عليه.. (اللافتة).

الآن نأتي إلى (السر) وكنا ادعينا أننا سنكشفه من خلال تكرار مفردات محددة وردت في النصوص قاطبة مع أن الشاعر لم يقل ما يريد قوله كاملاً.

المفردات هي: (التأجيل، الغياب، الذكريات، الظلام، المحكي، الندم، خريف، عدوي، الحروب، المعسكرات، أعمى، خطئي، أخطاء، المراثي، اللافتات، أعزل، المشهد، هزائمي، رمادي، الرمال).

لدينا هنا مستويان من العلامات.. ويمكن تصنيفهما حسب القيمة الدلالية:

المستوى الأول

المستوى الثاني

1 ـ الغياب

1 ـ المحكي

2 ـ التأجيل

2 ـ الذكريات

3 ـ الظلام

3 ـ خريف

4 ـ أعمى

4 ـ أعزل

5 ـ الندم

5 ـ المشهد

6 ـ خطئي

6 ـ عدوي

7 ـ أخطاء

7 ـ الحروب

8 ـ هزائمي

8 ـ المعسكرات

9 ـ المراثي

9 ـ رمادي

10 ـ اللافتات

10 ـ الرمال

وفي كلا المستويين نستطيع أن نختزل العلامات بمقابلتها مع بعضها من أجل الوصول إلى الرمز بأقصر الطرق.. خصوصاً وأن القيمة الدلالية هنا تكاد تكون متساوية تماماً. فعلى صعيد المستوى الأول سيكون الاختزال كالآتي:

ـ الغياب/ أعمى/ خطئي/ هزائمي/ اللافتات. وعلى صعيد المستوى الثاني سيكون الاختزال هكذا: المحكي/ أعزل/ عدوي/ المعسكرات/ الرمال.

في المستوى الأول:

سيتضح الرمز بتحليل الإشارات: الغياب ضد الحضور، العمى ضد الرؤية، الخطأ ضد الصواب، الهزائم ضد الانتصارات، اللافتات (الموت)*

وفي المستوى الثاني كذلك: المحكي ضد المدون، الأعزل ضد المسلح، العدو ضد الصديق، المعسكرات ضد الحرية، الرمال (القبر)، (الموت) (توفر المدلول بالنسبة للدال الواحد).

ونتيجة لصعوبة إيراد المقاطع الكثيرة التي تدل على هذه الاستنتاجات سنحاول جاهدين اختيار أقل عدد منها.

1 ـ في النهار:

يبطئ المحكي في النزول من اللافتات (شاهد العهد المغلوب ص8).

2 ـ لست عدوي أيها اللص

إنني أبحث عن ظلامك كي أحييك (مطاحن عاطلة ص20)

3 ـ سوى نافذة الذكرى

ثمة ما يتكرر (المحذوف قبل أن يتكرر ص 5).

4 ـ لتندم الغيمة، وليندم الربيع

لم أعش ذكرياتي (إبادة الكلام المفتوح ص43).

5 ـ مفقودة أعمارنا في الذهاب إلى معسكرات العزلة.

ومزارع الانتظار (الربيع حاضر في متحف النسيان ص48).

6 ـ شوان سماء مؤجلة

تستقر بها العربات التي أخطأت في تلقي توابيت أعيادنا (انكم تحرقون نهاري بأعيادكم ص102).

لقد توصلنا الآن إلى جزء أساسي من (السر) بوصولنا إلى الرمز وسنحاول في الملاحظات التالية الإمساك به.

ملاحظات:

1 ـ تنبثق النصوص مجتمعة من مناخ واحد تحتل (الحرب) المحور المركزي فيها. والشاعر ينوع ويوازن على هذه الحالة ضمن رؤية سوسيو جمالية.

2 ـ يلجأ الشاعر إلى تكرار بعض الصور والمفردات والتراكيب اللغوية مع التنويع على المفردة في الصياغة وشحنها بقوة تعبيرية تتجاوز النسخ إلى التأويل والتكرار إلى المحايثة.

3 ـ كثيراً ما يحاول الشاعر إظهار براعته اللغوية مضحياً بالإشراق الشعري باستخدامه جملاً طويلة، مقرونة بأدوات ربط كثيرة، في محاولة منه لتقديم بنية حكائية خالية من الإيقاع. (أحد عشر برزخاً قبلي).

4 ـ يلجأ الشاعر إلى (شعرنة) بعض المقولات الفلسفية أو الصوفية لإعطاء جملته الشعرية قوة المثال (منتظراً قرب غيابك).

5 ـ في قصيدتي ـ ربيع كاسد وإبادة الكلام المفتوح تأثر واضح سواء في الشكل البصري أو بتقنية بناء الجملة عند أدونيس في (احتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة) مع اختلاف التجربة.

6 ـ مع أن الشاعر محمد مظلوم شاعر معان إلا أنه لا يقف عند شكل كتابي واحد.

* خلال الحرب كانت العوائل العراقية تعلق لافتات سوداً على الجدران تنعي بها أبناءها. وكان ذلك مشهداً يومياً ومألوفاً لدى العراقيين.
أراء في التجربة 5 آراء في التجربة 4 آراء في التجربة 3 آراء في التجربة 2 آراء في التجربة 1